الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 29

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

شاكا ثم طالبا ونحن قد نعلم باخبار جمع كثير بما لسنا طالبين لوجوده أولا لعلمنا بوجوده ونوقش فيه بما يقرب من سابقه الثّالث انّه لو كان نظريّا لتوقّف على توسيط المقدّمتين واللّازم منتف لأنا نعلم علما قطعيّا بالمتواترات مثل وجود مكّة والهند وغيرهما مع انتفاء توسيط المقدّمتين ونوقش في ذلك بمنع عدم الاحتياج إلى توسط المقدمتين في المتواترات مط نعم يتمّ ذلك فيما حصل القطع من جهة التّواتر اضطرارا ويتّضح ذلك بما يأتي في حجّة الثالث انشاء اللّه تعالى وحجة القول الثّانى انّ حصول هذا العلم متوقّف على مقدّمات نظرية وهي عدم المواطات على الكذب وانتفاء دواعي المخبرين اليه وان يخبروا عن امر محسوس لا لبس فيه واستحالة كونه كذبا عند تحقّق هذه المقدّمات فتعيّن كونه صدقا والّا لارتفع النّقيضان ومتى اختلّ شئ من هذه المقدّمات لم يحصل العلم بمدلول الخبر وكلّ علم توقّف حصوله على مقدّمات مترتّبة فهو نظرىّ وأجيب عن ذلك بأنّ حصول العلم من الخبر لا يتوقّف على العلم بحصول هذه المقدّمات بالضّرورة فانا نعلم البلاد النّائية والقرون الماضية علما ضروريّا من دون ان يخطر ببالنا شئ من المقدّمات المذكورة نعم هو متوقّف على حصولها في نفس الأمر لا على العلم بحصولها والتّوقف على حصولها في نفس الأمر لا ينافي ضروريّة العلم لوجود التوقّف النّفس الأمرى في كلّ ضروري الا ترى انّ قولنا الكلّ أعظم من الجزء يتوقّف في نفس الأمر على انّ الكلّ مشتمل على جزء اخر غيره وما هو كذلك فهو أعظم وإن كان العلم يحصل من دون التفات إلى المقدّمتين حجّة القول الثّالث هي انّ المتواترات على قسمين منها ما يحصل بعد حصول مباديها اضطرارا وبدون الكسب كالمشاهدات وضروريّات الدّين ووجود مكّة والهند وأمثال ذلك ومنها ما هو مسبوق بالكسب كالمسائل العلميّة الّتى لا بد من حصول التّتبع فيها من جهة ملاحظة الكتب وملاقاة أهل العلم والاستماع منهم اصوليّة كانت أو فقهيّة ولا ريب في انّ التّتبع واستماع الخبر يتدرّج في حصول الرّجحان في النّظر إلى حيث يشرف المتتّبع على حصول العلم فلا حظ المقدمات من كون هذه الأخبار مسموعة ومنوطة بالحسّ وانّ هؤلاء الجماعة الكثيرين لا يتواطون على الكذب ثم يحصل له القطع بمضمونها فهذا متواتر نظري ومن علامات النّظرى ان بعد حصول العلم أيضا إذا أذهل عن المقدّمتين قد يتزلزل القطع ويحتاج إلى مراجعة المقدّمات وهو ممّا يحصل في كثير من المتواترات بخلاف الضّرورى فالضّرورى ايض وإن كان لا ينفكّ عن المقدّمات الّا انّه لا حاجة إلى المراجعة إلى مقدّماته والاعتماد عليها ما دام ضروريّا والحاصل انّ الضّرورى قد يكون العلم الحاصل منه ضروريّا وقد يكون نظريّا ولا اظنّ دعوى المشهور الضّرورية مطلقا ضرورة قضاء الوجدان بخلافه وامّا توقّف السّيد ره فمنشأه التّامل في انّ العلم هل يحصل بجعل اللّه اضطرارا من دون اختيار العبد بعد حصول المقدّمات أو انه يحصل من جهة كسب العبد والتامّل في المقدّمات من كون المخبرين عددا يمتنع كذبهم وانّهم أخبروا عن حسّ وان لم يكن متفطّنا لها حين حصول العلم إذ يصدق ح انّ العلم ناش عن الكسب وان ثم يتفطّن بالمكتسب منه حين حصول العلم إذ لا فرق بين المعلومات الموصلة إلى المطلوب الّتى كانت حاصلة بالعلم الأجمالى أو إلى التّفصيلى فانّ من اسّس أساسا واصّل أصلا وقاعدة تتفرّع عليه فروع كثيرة فقد اكتسب في ذلك فكلّما ترتّب عنده نتيجة على ما اصّله بسبب علمه به اجمالا يصدق انّه من كسبيّاته وان احتمل ايض ان يكون مع ذلك القاء العلم في روعه بفعل اللّه تعالى ومجرى عادته عقيب اخبار هذا القدر من المخبرين فتلخّص من ذلك كلّه قوّة القول الثالث وربّما حكى عن الغزالي في كتابه المسمّى بالمستصفى انّه قال العلم الحاصل بالتّواتر ضروري بمعنى انّه لا يحتاج إلى الشّعور به بتوسط واسطة مفضيّة اليه مع انّ الواسطة حاضرة في الذّهن وليس ضروريّا بمعنى انّه حاصل من غير واسطة كقولنا الموجود لا يكون معدوما فإنه لا بدّ فيه من حصول مقدّمتين إحديهما انّ هؤلاء مع كثرتهم واختلاف أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع الثّانية انّهم قد اتّفقوا على الأخبار عن الواقعة لكنّه لا يفتقر إلى ترتيب مقدّمتين بلفظ منظوم ولا إلى الشّعور بتوسطهما وافضائهما اليه انتهى وعن التفتازاني بعد نقل ذلك انّ حاصل كلامه انّه ليس اوّليا ولا كسبيّا بل من قبيل القضايا الّتى قياسائها معها مثل قولنا العشرة نصف العشرين انتهى واعترض عليه بانّ الظّاهر انّ مراد الغزالي انّه نوع من النّظرى لا انّه واسطة ولذلك نسب العلّامة ره في يب اليه القول بالنّظريّة واحتمل بعضهم كون مراد الغزالي انّه من باب نظريات العوام فانّهم وان استفادوها من المقدّمتين لكنّهم لم يتفطّنو لهما بكيفيّتهما المترتّبة في نفس الأمر فكان الغزالي قسّم النّظرى إلى قسمين بالنّسبة إلى النّاظرين وهو في الحقيقة تقسيم للنّاظرين لا للنّظرى فكانّه قال العالم والعامي كلاهما متساويان في النظر فيما نحن فيه دون ساير النّظريّات فتدبّر المقام الرّابع انّهم ذكروا لإفادة المتواتر العلم شرائط منها ما يتعلّق ما بالصّانع ومنها ما يتعلّق بالمخبرين امّا الأوّل فامران الأوّل ان لا يكون السّامع عالما بمدلول الخبر اضطرارا كمن اخبر عمّا شاهده وعلّلوا هذا الشّرط بأنه لو افاده ذلك الخبر علما لكان امّا عين العلم الحاصل له بالشّهادة أو غيره والأوّل تحصيل للحاصل وهو محال والثاني من اجتماع المثلين الّذى هو ايض محال ولا يجوز كونه مفيدا تقوية الحكم الحاصل اوّلا لانّا فرضناه ضروريّا والضّرورى يستحيل ان يتقوّى بغيره لا يقال انّا نمنع من لزوم اجتماع المثلين على تقدير ان يحصل بالخبر علم مغاير للأوّل لجواز مخالفته ايّاه بالنّوع وان ساواه في التّعلق بالمعلوم وامّا استحالة تقوية الضّرورى بغيره فممنوعة أيضا لأنا نقول انّ ما ذكر خروج عن الفرض لانّ الّذى ننكره حصول علم اخر على طبق ما علم قبل الأخبار وامّا العلمان المتخالفان نوعا فلا ينكره أحد وليس من محلّ البحث وامّا منع استحالة تقوية الضّرورى بغيره فلا وجه له أيضا إذ ما وراء عبادان قرية الثّانى ان لا يسبق الخبر المتواتر حصول شبهة أو تقليد للسّامع بوجب اعتقاده نفى موجب الخبر ومدلوله واوّل من اعتبر هذا الشّرط علم الهدى رض وتبعه على ذلك المحقّقون وهو شرط متين وبه يندفع احتجاج المشركين من اليهود والنّصارى وغيرهم على انتفاء معجزات الرّسول صلّى اللّه عليه وآله كانشقاق القمر وحنين الجذع وتسبيح الحصا واحتجاج مخالفينا في المذهب على انتفاء النّص على أمير المؤمنين عليه السّلام بالإمامة وبيان ذلك انّ المنكرين لمعجزات النّبى ( ص ) وللنّص بالإمامة احتجوا بانّها لو كانت متواترة لشاركناكم في العلم بمدلولاتها كما في الأخبار المتواترة بوجود البلدان النّائية والقرون الماضية والتالي باطل فكذا المقدم والملازمة ظاهرة وجوابه انّ شرط إفادة التواتر العلم وهو عدم السّبق بالشّبهة أو التّقليد المذكورين حاصل في الأخبار عن البلاد النّائية والقرون الخالية للكلّ فكان العلم شاملا للجميع بخلاف معجزات النّبى صلّى اللّه عليه وآله والنّص على أمير المؤمنين عليه السّلام بالخلافة فانّ الشّرط المذكور موجود عند المسلمين والإماميّة مفقود عند خصومهم لانّ اسلافهم نصبوا لهم شبهات تقرّرت في أذهانهم تقتضى اعتقاد منافى « 1 » الأخبار المذكورة فهذا حصل الأفتراق بحصول العلم للأوّلين دون الأخرين امّا لخواصهم فللشبهة وامّا لعوامهم فللتّقليد وكك كلّ من اشرب قلبه حبّ خلاف ما اقتضاه المتواتر لا يمكن حصول العلم له الّا مع تخليته عمّا شغله عن ذلك الا نادرا وامّا الثّانى فأمور الأوّل ان يبلغوا في الكثرة إلى حدّ يمتنع تواطيهم على الكذب وهذا الشّرط قد عرفت وجهه كما عرفت عدم صدق المتواتر على خبر الثّلاثة المفيد للعلم بسبب الانضمام إلى قرائن خارجيّة ولو بلغوا في الثّقة والصّلاح الغاية ضرورة ان العادة تستحيل الكذب على الثّقة الصّالح الصّادق ولا ينافي الكذب عدالته ولا صلاحه أيضا إذا دعاه اليه ما يبيحه من المصالح والضّرورات الثّانى ان يكونوا عالمين بما أخبروا به

--> ( 1 ) خلاف بدل